مختارات...هجاء النفس والأهل

العدد: 
15132
التاريخ: 
الأربعاء, تموز 11, 2018

أن يتناول الشعراء الهجاؤون سلبيات المجتمع بالنقد والسخرية ، فذاك أمر طبيعي وبديهي لأن الشاعر عين لاقطة قادرة على النفاذ إلى عمق الأشياء ، فيصورها ويكشف عن مساوئها وينادي بإصلاحها .
أما أن يهجو نفسه وأقرب الناس إليه من أهله ، فتلك ظاهرة تستحق الوقوف عندها والبحث في دوافعها النفسية والتربوية والاجتماعية التي جعلته حين ينظر إلى نفسه في المرآة لا يجد غير صورة مهشمة قبيحة ، فهذه الصورة في الحقيقة لم تكن تشير إلى شكله الخارجي ، وإنما تدل على التشويه القبيح الذي تنطوي عليه أعماقه.
فما الدوافع التي تجعل الشاعر يهجو نفسه ويتطاول على أمه وأبيه فيهجوهما هجاء مراً ؟ لابد أن يكون وراء ذلك جملة من الأسباب النفسية والتربوية التي تستدعي دراسة نوعية قائمة على علم النفس والتربية حتى تتكشف أبعاد هذه الظاهرة المتميزة في شعرنا العربي القديم.
فما الذي يدفع – الحطيئة – إلى أن يسخر من نفسه ووجهه ويقول فيهما ساخراً هاجياً :
أبت شفتاي اليوم إلا تكلماً
     بشر فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً شوه الله خلقه   
  فقبح من وجه وقبح حامله
ولا يكتفي – الحطيئة – بذلك ، بل يلتفت إلى أبيه ويقول فيه بسخرية لا يقبلها منطق :
لحاك الله ثم لحاك حقاً  
   أبا ولحاك من عم وخال
فنعم الشيخ أنت على المخازي
   وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم لاحياك ربي
       وأبواب السفاهة والضلال
و إن ترك هجاء نفسه وأبيه التفت إلى أمه التي لا ذنب لها سوى أنها حملته وربته وأعدته ليكون رجلاً صالحاً .
-جزاك الله شراً من عجوز  
   ولقاك العقوق من البنينا
تنحي فاجلسي مني بعيداً  
  أراح الله منك العالمينا
أغربالاً إذا استودعت سراً  
   وكانوناً على المتحدثينا
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
محمد غازي التدمري