هل أصبح الوقت بلا ثمن؟

العدد: 
15033
التاريخ: 
الأحد, شباط 11, 2018

قد يكون من الصحيح أن الدردشة التي يمارسها الناس هذه الأيام على الانترنت في كثير من الأحيان مضيعة للوقت والجهد والمال، ولكنها على الجانب الآخر تمثل نوعاً من الحوار المختلف الذي لم يعتد عليه الناس من قبل ويتميز بـ(اللا اسمية)، حيث لا يعرف طرفا العلاقة إن أرادا ذلك بعضهما بالاسم أو العنوان أو الجنس، وهذا يعطي مساحة هائلة من الحرية في التعبير عن الذات دون اعتبار لأي عوامل اجتماعية أو أخلاقية, وقد أعطى هذا العامل فرصة هائلة لخروج الكثير من الأفكار التي كانت كامنة في الوعي أو في اللاوعي لكي تخرج وتتفاعل مع الآخر دون خوف من أيّة عواقب.
وهذا ربما يؤدي مع الوقت إلى تآكل مساحة اللاوعي الشخصي، تلك المساحة التي كانت تحوي كل ما هو مرفوض اجتماعياً أو مؤلم نفسياً، فقد أصبح هناك ما يمكن تسميته “اللاوعي الإلكتروني” الذي يصاب فيه الناس بمحتويات لا وعيهم حتى يتخفوا منها وهذا يؤدي إلى التنفيس المستمر والذي كان يتم قبل ذلك بمساعدة المعالج النفسي أو الاعتراف أمام أحد الأصدقاء. إذن فربما تتناقص الحاجة لكل هؤلاء في وجود فرصة للتنفيس الإلكتروني اللامحدود والآمن والميسر في كل لحظة.
فهناك بعض الناس يدخلون في الدردشة على أنهم من الجنس الآخر ، وهم يظنون أنهم يمزحون ولكن في الحقيقة يعبرون عما تحت وعيهم أو لا وعيهم ويتحاورون على هذا المستوى.
وفي هذه الظروف تتغير الدفاعات النفسية حيث لا داعي لاستخدامها بكثرة فتظهر الأفكار والرغبات بلا قناع، وإذا حدث وارتدّت قناعاً فهو قناع يسهل خروج ما بالداخل ولا يعوقه . إضافة إلى حرية الدخول والخروج فلا إلزام بوقت أو مطالب وهذه الحرية ربما تكون غير متاحة في العلاقات العادية فيشعر الإنسان بالالتزام المرهق أحياناً نحو من له بهم علاقة، أما في العلاقة الإلكترونية، فهو حر تماماً في بدء العلاقة وإنهائها في أي وقت وبأي طريقة دون أي حرج.
وفي إيجابيات العلاقة الإلكترونية نلحظ إنسانية هذه العلاقة التي يتحرر الطرفان فيها من أي التزامات ويجدا ذاتهما في حوار ثنائي إنساني حر بعيداً عن كل الضغوط والالتزامات السابقة، وهذا يجعل التواصل أكثر إنسانية وأكثر تجاوزاً للخلافات والاختلافات وفي أحد الأفلام الأجنبية الرائعة بعنوان “لديك بريد الكتروني”  كان رجل وامرأة يكرهان بعضهما في الواقع ويحاول كل منهما تدمير الآخر نظراً لتنافسهما في العمل التجاري حيث كان كل منهما يمتلك مكتبة في الشارع نفسه . ومع هذا الصراع والتنافر على مستوى الوعي نشأت بينهما بالمصادفة علاقة موازية غاية في التفاهم والحب على مستوى الدردشة الإلكترونية وبقدر ما كانت الكراهية والعداوة بين عقليهما الواعيين بقدر ما كان الحب والتعاون والتفاهم بين مستوياتهما النفسية الأعمق.
وكثير من العلاقات التي قامت عن طريق الدردشة الإلكترونية حين حاول أصحابها نقلها إلى عالم الواقع فشلت أو لم تكن على نفس المستوى وذلك لاختلاف الترددات والنغمات بين المستويات المختلفة للنفس البشرية وربما لا نستغرب إدمان بعض الناس على تلك الدردشة الإلكترونية لأن العلاقات من خلالها لا تكلف، وهذه هي مواصفات العلاقة مع العقاقير ، فالمدمن كما يعتقد يلجأ إليها بحثاً عن الراحة والسعادة حتى لا يحتاج للعلاقة الإنسانية التي ربما يحتاج أحياناً أن يذل نفسه أو يكلفها ما لا تطيق ثمناً لهذه العلاقة.والإدمان الإلكتروني يقع فيه بشكل خاص الأشخاص الانطوائيون والخجولون والمعزولون لأنه يجنبهم حرج العلاقات المباشرة التي لا يقدرون عليها بسبب تركيبتهم النفسية شديدة الحساسية. وإذا كان للدردشة الإلكترونية بعض المزايا التي ذكرناها فهي لا تخلو من بعض العيوب كغياب وسائل التواصل غير اللفظي مثل نبرة الصوت وخلجات الوجه ووضع الجسد وحركاته, وهذه الوسائل هامة جدا في عملية التواصل الحقيقي. وغياب أو تهميش الاتصال الإنساني المباشر بكل ما يحمله من دفء المشاعر وحرارة الوجدان وإشعاعات الروح. إضافة إلى إمكانية الخداع من خلال التخفي ولبس الأقنعة وفقدان الكثير من المهارات الاجتماعية التي لا تكتسب إلا بالتواصل الإنساني المباشر.وسواء رغبنا أو لم نرغب فقد دخلت الدردشة الإلكترونية في حياتنا النفسية والاجتماعية, وربما يحدث بسببها تغيرات هائلة في المستقبل التي لا نستطيع التنبؤ بكل أبعادها في هذه المرحلة التي نعيشها خاصة وان الفضاء الافتراضي لا يمكن لنا أن نرى نتائجه وتداعياته بشكل فوري ومباشر لكن خوفنا من نتائج سلبية محتملة لا يبرر نسف أو تجاوز التعامل والدخول في هذا الفضاء الذي لا ادعي السبق في تسميته بالواقع الافتراضي أو الإلكتروني .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد المعين زيتون