فــــي الدرامــــا ... صرخة فنية مقاومة فـــــي وجـــــــه التطـــــــرف

العدد: 
15035
التاريخ: 
الثلاثاء, شباط 13, 2018

من المعروف أنه  من خلال  ما واجهه بلدنا عبر مسيرتها التاريخية والمعاصرة لا بد من العمل على دراما مقاومة، دراما تحررية، والاستغناء ما أمكن عن دراما الفانتازيا.. والعمل ما أمكن على خلق لغة درامية جديدة ترتكز على رؤية نضالية تسعى إلى المواجهة وتكون قادرة على التأثير باستخدام معايير جمالية ومنفتحة باتجاه ما تتطلع إليه الجماهير من أفكار وتقدم لهم الأفضل وتحترم عقولهم وذواتهم، فلا يخفى على أحد مدى عمق العلاقة بين فن الدراما والمجتمع بكل مكوناته وبكل طبقاته، التي يمكن توصيفها بأنها علاقة تصل إلى درجة الاتحاد والالتحام بوجدان إنسان هذا العصر، وتالياً فإن هذا الفن لن يجد له مهربا من الالتحام بالشأن السياسي، كأي شأن آخر، بل ربما نصل أحياناً لمرحلة يصبح فيه من غير المسموح الفصل بينهما، حيث توحدهما الفترة التي ينتميان إليها، وباجتماعهما غالباً ما يشكلان خلاصة من أهم خلاصاتها، ومن هذه المرتبة التي يتسلم عرشها فن الدراما، وانطلاقاً من الافتراض بأن هذا الفن على وعي تام بحقيقة الصراعات الدائرة في ساحة الواقع، من حيث إنه يجب عليه ذلك لأن طبيعة ماهيته تفرض ذلك، جاء مسلسل «بلا غمد» الذي أنتجته المؤسسة العامة وتم عرضه على شاشاتنا الوطنية ليكون أحد الأعمال السياسية التي يمكن تصنيفها ضمن الأعمال التي تسهم إلى حد ما بالمشاركة في تسليط الضوء على الواقع بطريقة المكاشفة التنويرية، حيث ركز العمل بالدرجة الأولى على فضح الفكر التكفيري الذي تنامى في ظل الأزمة في سورية وكان أحد أهم أسباب طول مدة مكوثها وتشعبها وتعقيدها، إضافة إلى أنه قدم عبر سياق أحداثه رسائل كثيرة, أغلبها يؤكد في مجموع إشاراته ودلالاته بأن العلاقة بين أفراد المجتمع لا يمكن ضبطها إلا بسلطة الدولة التي توفر الأمن للجميع وتضمن للجميع الاستقرار، وبأنها الشكل الأمثل والمجال الوحيد والسبيل الأجدى للحياة الكريمة والمعتدلة، لأن الناس في ظل منظومة الدولة جميعهم يستظلون بظل القانون، وبلا قانون يغدو الإنسان ضارياً أكثر من الوحوش، لأنه غالباً ما يسير وفق أهوائه الخاصة ورغباته الأنانية الدنيئة من دون أي مراعاة لحق الآخر أو الغير..
وفي الوقت الذي يفضح العمل دناءة مدعي الدين والتدين والانتهازيين والمتطرفين الذين أوغلوا في محاولة تمزيق وحدة الشعب والوطن وأوغلوا في التلاعب بكل المفاهيم العظيمة والجليلة للإيمان والتدين ، نجد على التوازي تماماً يطرح عدة صيغ للمقاومة في مواجهة هذا السلوك الظلامي الفاجر.. فمن الصيغة الاستخبارية التي يمثلها الضابط في الجيش العربي السوري، إلى خولة المدرسة التي تتخذ من الصبر والعلم مطيتها في المقاومة,إلى الصحفية سكارليت التي تتوغل وسط المتطرفين لتفضح إرهابهم وطغيانهم, كلٌّ من موقعه كان مقاوماً وبما يُحسن, وكما أن العمل كان يأخذ بالحسبان ظروف نشأة التطرف التكفيري، كان يراعي في المقابل ظروف وعمل وفكر ومستوى كل شخصية تختار المقاومة، إسهاماً منه في الحض على السبيل أو الطريقة التي على مثيلاتها أن تختارها في عملية المقاومة.
 وتالياً يمكننا توصيف هذا العمل بأنه صرخة فنية مقاومة في وجه التطرف الإيديولوجي والارتكاس الروحي والأخلاقي والإنساني، لأن ثقافة المقاومة في الأساس هي ثقافة التجاوز، التي هي نفسها ثقافة الـ «لا» لكن علينا أن نفهم ونعي ونعرف متى نقول «لا» ولماذا وكيف، فوظيفة أي عمل فني هي بشكل أو بآخر وظيفة معرفية تسعى للحقيقة مثل الفلسفة، وتالياً هو بشكل أو بآخر مقاومة لأنه يقاوم الجهل والظلام ويضيء للروح طريقها باتجاه رقيها وحضارتها وكمالها.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة