فؤاد مخلوف.. أحلام في قصائد

العدد: 
15170
التاريخ: 
الاثنين, أيلول 10, 2018

لم يختر الشاعر (فؤاد مخلوف) اسمه كسائر الناس، لهذا قرر انتقاء لقب يناسب شخصيته ويعبر عنه، فقرن اسمه بلقب (آرام) بكل ما تمثله هذه المفردة من بعد تاريخي وثقافي انحاز إليه، وهذا أمر نادر ما يلجأ إليه الأدباء في العصر الحديث، أما في العصور السابقة فكانت الألقاب أكثر تداولا، وغالبا ماتُطلق على أديب بعينه نتيجة حادثة أو موقف عرف به، وربما صفة نفسية أو جسدية ظاهرة فيه، ورغم ذلك كانت تنتشر حتى ينسى الناس اسمه، فلا يعرف بغير اللقب الذي اشتهر به، رغم أنه لم يكن له يد في وضعه.
بذلك أصبح اسم المؤلف عتبة سردية تستأهل الوقوف عندها مليا، ولكن يبدو أن هذه العتبة السردية لم تفض إلى  متن يتسق معها بدرجة ملحوظة، وإنما كانت موقفا فكريا أكثر منه موقفا شعريا نراه بوضوح بين السطور المدونة.
العتبة السردية التالية: عنوان المجموعة (أحلم يوما) تفضي إلى متن السرد الذي يتوازن معها عبر المقطوعات القصيرة التي تشكلت منها هذه المجموعة، فكانت شبيهة بأحلام عبرت بخفة وسرعة في مخيلة صاحبها الذي حاول تفسير العالم من حوله، دون الوصول إلى اليقين، فظل الشك حافزا على مواصلة الكتابة، ومعبرا عن هواجس قلق لا ثبات لها. ولعله لم يجد أمامه من سبيل غير تسليط حزم صغيرة من ضوء غير باهر على مساحات محددة من تفاصيل الحياة اليومية التي نعرفها جميعا، ولكن يبدو أن إنارة خفيفة على أشياء بذاتها تمنح لهذه الأشياء المنسية قيمة ما، ودلالة متخيلة لا ترتبط بها بالضرورة، فقد تكون عشوائية واعتباطية، ورغم ذلك تصبح بعد معالجتها تدل على فكرة بذاتها:
(حياتي طريق
وأنا
فيها حجر
تمضي الروح
به تتعثر
تشكو دوما
في الطريق
حجر).
بأسلوب بسيط قريب من القارئ، وبمفردات مأخوذة من المعجم اليومي، يعبر الشاعر عن الإحساس الفظيع بالعبث واللا جدوى والحيرة عندما يحاول الحديث عن الأشياء المألوفة بطريقة جديدة، وهذا التوقف عند شيء بذاته قد يمنحه طاقة شعرية، لاسيما إذا حاول العثور على مفارقة لا تخلو من الدهشة في نهاية المطاف:
(في الشتاء
عندما يأتي
المساء
لا يبقى في الطرقات
سوى أشياء
تطوحها الريح
منها
أنا).
إن بعض الصور المرسومة بحفنة من الكلمات شبيهة بلوحات لا تحتوي على تفاصيل كثيرة، لأنها مرسومة بألوان قليلة، على مساحة محدودة، ورغم ذلك تجعلنا هذه اللوحات الصغيرة- المعلقة على جدار الانتباه- نقف أمامها بإعجاب لأنها التقطت نثرات من فتات مشاعرنا وأحاسيسنا، فتحرك أشياء في داخلنا وتحرر خيالنا مما يقيده ولو إلى حين:
(أمل آخر
مات
البارحة
كان صغيراً
يعدو
على دروب قلبي).
 محاولة فهم العالم الصغير تتكرر في مقطوعات عدة في هذه المجموعة الشعرية. وحتى لدى محاولة الخروج من هذه الدائرة الصغيرة الأليفة حتى النزق لا تتغير كلمات الشاعر وأسلوبه وطريقته. انه يكتب كما يرى العالم الكبير من زاويته الخاصة، ربما دون القدرة على البوح بما يشتهي دائما:
(ماذا أفعل ؟
سؤال يطرحه
الفراغ
يرتطم في نفسي
ارتطام حجر
في.. قاع بئر).
لاشك في أن الأدب بأجناسه كافة نتيجة معاناة يعيشها الإنسان، ولكن هذا لا يعني أن كل من يعاني بقادر على الكتابة- دون إغفال أن المعاناة تتفاوت في حدتها وعمقها من شخص لآخر- وربما الكتابة ليست أكثر من محاولة التوازن مع الذات وفهمها، أو محاولة تصعيدية لتجاوز رغبات مدفونة- حسب فرويد- فضلا عن التفسير السابق نجد الكتابة تعبيرا صريحا عن إحساس بعدم الطمأنينة، والتوجس من شيء قادم نجهله، أو نريده ونخشاه:
(لم يبق في الدرب
غيري
الليل مر
الصباح مر
العمر مر
وأنا انتظر
شيئا خرافياً
يمر
يدعى
أنت).
ورغم أن الشعر تسكع في دروب الذات، وغوص عميق داخل النفس يعكس حالات إنسانية عامة، فمن يكتب الشعر هو إنسان كسواه، وان امتلك عيناً أكثر دراية على التقاط المشاهد، وقلماً أكثر دربة في الكتابة. ولكن هذا التعبير يأتي في هذه المجموعة بأسلوب مفرط في الذاتية أحيانا، وفي الشعر لا يمكن عد القليل من الإفراط مثلبة، فتحسس الذات هو أيضا تواصل مع الآخرين بطريقة ما، لاسيما لدى التحدث عن الخراب الذي يأتي كموجة عاتية لا تستثني أحدا.
***
لا تحضر الأنثى في المجموعة بصورتها التقليدية الشائعة في قصائد الغزل الرائجة، فلا يوجد إشارات إلى الوجه الجميل الحسن، والعيون الفاتنة الناعسة، والجسد الممشوق. وليست كائناً بشرياً يتمتع بحساسية مميزة وشعور مرهفاً. إنها تحضر ضمن دور محدود وضيق، كأنثى يتكئ عليها الجسد المرهق، ولكن سرعان ما تموت الرغبة تجاهها نتيجة   عبثية اللقاء.
ولكن هذا لا يعني أن المرأة لا تحضر في مكان آخر ككائن رقيق، وهش، وجدير بالرثاء، بل تلك الشفقة متجهة صوب الأنا التي تعاني من عدم الألفة مع نفسها.. ومع الجنس الآخر أيضا:
(عندما لمست
شفتيك
لأول مرة
كنت واثقا
من قطع ليل
العالم كله
دون تعب .
لا نعثر في العلاقة مع المرأة على ملحقات معاناة الهجران والبعد والدلال، فقد تجاوز الشاعر هذه الحالات لأن الأنثى لم تعد لديه مثالا بهيا يمكن السعي إليه طوال العمر، فكل أنثى كغيرها من النساء المتشابهات اللواتي يملأن الشوارع المزدحمة. ورغم ذلك ليست قريبة بما يكفي كي تجرح شغاف القلب وتدخله. بل هي تسكن في خيال الشاعر لا غير، لهذا قد تأتي في أي وقت يريده، لأنها كائن من خيال صنعه الشاعر كما يرغب:
(اعرف كم تبكي
عيون خلقت في كانون
والموج المتعثر
من شعرك رديه
فشواطئ أكتافي
صخر
لا تترك موج
أثر فيه).
***
وهناك لقطات طريفة في المجموعة ترسم  البسمة والتي لا تعني البهجة باكتشاف شيء يدعو للسرور بقدر ما تعني الانتباه إلى أن هناك الكثير من الأشياء العبثية في حياتنا لم نفطن إليها سابقا، فضلا عن أن هناك شعوراً بأن الحياة جميلة مهما كانت، وأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة- بحسب درويش- لهذا يجب ألا نأخذ الحياة بجدية صارمة تقود إلى المزيد من اللامعقول.

 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي