التراث وصيرورة تراتبية الزمن

العدد: 
15159
التاريخ: 
الأحد, آب 26, 2018

العصر الحالي المتماوج في معطياته المتنوعة لحد التضارب والتضاد ما يشكل لغزا عصي على الحل كونه أوجد وضعا مرتبكا على الصعيدين الاجتماعي والثقافي .. وضعا متلاطم التيارات الفكرية والمعرفية فأغلب محاور العصر المستتر بأسماء التطور التقني والعلمي والحداثة تدعو إلى نفي التراث الفكري لكل المجتمعات الإنسانية رغم إدراك جهابذة هذه المحاور أن الأمم لا تبني بالتراث ذاكرة الحاضر فقط بل من خلاله تعطي لأجيال المستقبل ذاكرة انتماء ووعي يدرك عبره أفراد المجتمع كينونة وجودهم والمخاطر المحيقة بحاضرهم ومستقبلهم على حد سواء .. إذن الدعوة للقطيعة مع التراث هي في مضمونها دعوة لقطع مسيلة تراتبية الزمن بما يعيق بناء القدرات الإنسانية ويخلق انفصام وجودي لا معنى له إلا إلحاق الأذى بالبنيان الاجتماعي وفك الارتباط بما يتصف بالبعد التاريخي ولاسيما ما يتعلق بأسلوب الحياة المجتمعية / القيم والنظام الأسروي / بهدف خلخلة العلاقات الثقافية والاجتماعية والتي كان الحفاظ عليها حقا من الحقوق الإنسانية لأفراد أي مجتمع حتى لا تتعرض ذاكرتهم للنفي والضياع .. لذا يجب أن تدفعنا تماوجات معطيات العصر الحالي المليئة بالألغام إلى أن نكون أكثر وعيا بواقعنا وبما يجري في العالم من حولنا وأكثر فهما لهذه الحملات التي تتعرض لها أمتنا بدعاوي مختلفة تحت شعارات تجاوز التخلف وتحرير المجتمع وتغيير الواقع وتطويره عبر فك الارتباط مع التراث وتحطيم سياج القيم الأخلاقية والأسرية .
إن مثقفي ومفكري الغرب في أغلبهم ومنذ ردح من الزمن يطعنون حضارتنا وموروثنا الثقافي وقيمنا وماضينا ويطرحون أفكارهم للنيل من كل حركة ناهضة تساهم في مواكبة روح العصر ثم يحولونها إلى قناعات لترتكز عليه مجتمعاتهم في التعاطي مع أمتنا العربية والمؤلم أننا في حاضرنا في شبه غفلة بل إن البعض يشارك في هذه الحملات أو الطروحات عن قناعة أو عن عقدة نقص سببها الاندهاش بكل ماهو أجنبي في حين أن الواجب يفرض علينا أن نتصدى لها بالمنطق والحوار وحقائق التاريخ ووثائقه وامتلاك طرق فن التعريف بتراثنا الفكري وتصحيح المغالطات التي تطرح بسوء نية في الغالب إزاء هذا الواقع المحمل بالكثير من المخاطر على كينونة وجودنا علينا أن نتصدى لكل التيارات المستهدفة وجودنا لا لأننا نخشى على هذا التراث بل لأننا لا نرضى أن نسقط في الحصار والمصادرات الفكرية التي تسمم تكويننا الثقافي وإرثنا المعرفي  .      

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
بسام عمران