يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر - حمص
طباعةحفظ


محمد الفيتوري شاعر زادته الغربة تحدياً وإصراراً

الجمعة 14/10/2005
نجاح حلاس

عاش غريباً .. مشرداً على أرصفة الوطن العربي يقطف القهر من بساتين الحرمان ويلوك اسفلت الطرقات الممتدة ما بين روحه المعجونة بالعذاب والآلام وشوقه الى تراب الوطن .. لكن آلامه لم تثبط من عزيمته بل زادته تحدياً وإصراراً .. فوقف في مواجهة الحياة

هازئاً , واثقاً من انتصاره وكان له ما أراد إذ أصبح نجماً لامعاً في سماء الأدب والشعر وبهذا صدقت نبوءة والده الذي قال له يوماً . » إن نجمك سينتشر ولست أدري ما ستكون في المستقبل أحاكم , أم رجل دين , أم شيء آخر « .‏

فمن هو ذاك الذي أضنته الغربة وصنعت منه شاعراً معروفاً ذاع صيته في أصقاع الوطن الممتد من المحيط الى الخليج.‏

إنه محمد الفيتوري السوداني الأصل الذي غنى للحب والجمال على قيثارة الفرح , وغنى للحزن على قيثارة قلبه المتوجع :‏

وتدورين في جسدي‏

غابة من عيون بدائية الرغبات‏

تدورين في جسدي‏

أنا أعرف هذي العيون‏

التي تتعانق فيها الهزيمة والنصر‏

يتحد الله والموت في مجدها الابدي الحزين‏

أنا اعرف هذي العيون‏

التي تتمرغ في سفحها قسوتي‏

وتسيل بحار حنيني‏

أنا أعرفها‏

كانت الأرض عذراء‏

والفجر لم يشتعل بعد‏

فليبق وجهك مشتعلاً بالجمال .‏

ولد محمد الفيتوري في بلدة الجنينة » عاصمة دار مساليت « الواقعة على حدود السودان الغربية والمساليت من القبائل السودانية الكبيرة التي اشتهرت بالفروسية .‏

والطريف بالأمر أن شاعرنا يجهل تاريخ ميلاده إلا أن زوجة الفيتوري السابقة السيدة آسيا أكدت أن ميلاد الفيتوري كان سنة / 1929 / كما أخبرها حموها الشيخ مفتاح رجب الفيتوري والد شاعرنا .‏

أما والدته فهي الحاجة »عزيزة علي سعيد « من أسرة معروفة من قبيلة » الجهمة « العربية الحجازية التي هاجرت الى صعيد مصر ومن ثم الى ليبيا وكانت تشتهر بالتجارة والفروسية وقد عرفت أسرة شاعرنا الهجرة أكثر من مرة فوالده هاجر من ليبية الى غرب السودان قبيل الحرب العالمية الأولى هرباً من وطأة الاستعمار الإيطالي , كما أن أسرة الأم قد هاجرت أيضاً الى هناك حيث استقرت الأسرتان فتعرف والد الفيتوري بالوالدة وتزوجها .. ومن غربي السودان هاجرت الأسرة الجديدة الى مصر فالاسكندرية حيث نشأ شاعرنا وترعرع .‏

التحق الفيتوري في بداية الأمر» بمدرسة الأخلاق « لحفظ القرآن الكريم تأهباً لدخول الأزهر الشريف .‏

حفظ القرآن الكريم لكنه عانى الكثير من حفظه له كما تلقى مبادئ الحساب والإنشاء والأناشيد .‏

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية كان الفيتوري في المدرسة الأولية في الاسكندرية وقد عاش هو وأقرانه حالة من الرعب نتيجة الغارات الألمانية وقنابلها التي أحدثت الكثير من الفواجع في المنطقة , وهذا ما ولد حالة من القلق والشعور بالحزن والتوتر لدى شاعرنا .. كما كان لأقاصيص جدته الزنجية وأساطيرها أثره الكبير والبعيد في نفسه لهذا بقي يبحث عن الحقيقة .‏

وعندما اشتدت وطأة الحرب عام 1944 انتقلت أسرته الى ريف مصر قرية عرمش في منطقة كفر الدوار وهناك اتحد الفيتوري بالطبيعة بكل مظاهرها , وعاش جمالياتها وراقب الفلاحين وهم يعملون ويكدحون :‏

كانت جموع السحب‏

كان الدجى يرخي جناحيه على القرية‏

وكانت لأوجه ذات الأسى‏

ذات العيون الاستوائية‏

قد انزوت خلف سراديبها‏

تحلم بالنار وبالثورة‏

..........‏

وانتصبت أذرعهم في الدجى مثل محاريب علاها الصدأ‏

الملخص : وعندما وضعت الحرب أوزارها عاد الفيتوري الى الاسكندرية ليتابع دراسته في المعهد الابتدائي حتى عام 1947 ثم التحق بالمعهد الديني التابع للأزهر في الاسكندرية حيث بدأت مسيرته الحقيقية لفهم اللغة العربية والتعرف الى مصادرها والفلسفة الاسلامية وبعض العلوم الحديثة كالحساب والجغرافية والرسم بعدها دخل الى المعهد الديني الثانوي في القاهرة ثم الأزهر الشريف حتى عام 1953 , ومن الأزهر انتقل الفيتوري الى كلية دار العلوم بالجامعة في القاهرة فرع الآداب والدراسات الاسلامية حيث قضى سنتين ثم تركها دون أن ينال شهادتها منصرفاً الى الصحافة .. وأثناء دراسته في كلية دار العلوم نشر ديوانه الأول : أغاني أفريقيا عام 1955 فأقامت له الكلية حفلة تكريمية تشجيعاً , واعتزازاً بطالب استطاع أن يهز الأوساط الأدبية والفكرية في مصر والوطن العربي , بالقضية التي تناولها في هذا الديوان ودفاعه عنها ألا وهي القضية الافريقية .‏

لقد ترك الجامعة قبل أن ينهي دارسته فيها واتجه نحو العمل الصحفي هارباً من رتابة الدروس وقوانين وقيود الجامعة والحقيقة أن عمله في الصحافة أمن له لقمة العيش وهو ما كان يبحث عنه .‏

ويصور الفيتوري نظرات الناس التي كانت تلاحقه بسبب لون بشرته الأسود وقصر قامته وفقره إلا أنه يبقى الرجل الحالم الذي تستيقظ النجوم في قلبه النقي الطيب :‏

فقير أجل .. ودميم دميم‏

بلون الشتاء .. بلون الغيوم‏

يسير فتسخر منه الوجوه‏

وتسخر حتى وجوه الهموم‏

فيحمل أحقاده في جنون‏

ويحضن أحزانه في وجوم‏

ولكنه أبداً حالم‏

وفي قلبه يقظات النجوم‏

ورغم حقده وغضبه واشمئزازه من تلك النظرات يبقى متسلحاً بالكرامة فاللون الأسود ليس عيباً أو مذلة :‏

قلها لا تجبن .. لا تجبن‏

قلها في وجه البشرية‏

أنا زنجي‏

وأبي زنجي الجد‏

وأمي زنجية‏

أنا أسود‏

أسود لكني حر أمتلك الحرية‏

وكثيراً ما أعلن ثورته السوداء قائلاً :‏

لتنتفض جثة تاريخنا‏

ولينتصب تمثال أحقادنا‏

آن لهذا الأسود .. المنزوي‏

المتواري عن عيون السنا‏

آن له أن يتحدى الورى‏

مارس الفيتوري أثناء إقامته في القاهرة العمل الصحفي وكتب الكثير من الدراسات الأدبية والسياسية والمقابلات في صحيفة » الجمهورية « وبعد انتقاله الى السودان عام 1958 رئس تحرير أكثر من مجلة وجريدة ومن أبرزها مجلة » الإذاعة والتلفزيون « السودانية .. وفي لبنان عمل محرراً أدبياً في مجلة الأسبوع الأدبي » ومحرراً في جريدة » بيروت « وشارك في إصدار مجلة » الديار « كما أسند إليه مهام رئيس تحرير مجلة الثقافة العربية « الليبية .‏

كما شغل وظيفة خبير إعلامي في جامعة الدول العربية في القاهرة إلا أنه ترك وظيفة هذه وقدم الى بيروت ليعمل من جديد في الصحافة لكن الفيتوري أبعد عن لبنان لأسباب قيل أنها سياسية وقد اختار السفر الى ليبية ومن ثم الى دمشق وكان لإبعاده ضجة في الأوساط الفكرية التي استنكرت هذا الترحيل وسمح له بالعودة الى لبنان في 8 أيار عام 1975 .‏

من أهم مؤلفات الفيتوري دواوينه الشعرية » أغاني افريقيا « و عاشق من افريقيا و » اذكريني يا افريقيا « و » سقوط بشليم « و » معزوفة لدرويش متجول « و » سولارا « و » الثورة والبطل والمشنقة «و»أقوال شاهد اثبات «و » ثورة عمر المختار « وابتسمي حتى تمر الخيل «‏

المصدر : ديوان الفيتوري - دار العودة - بيروت‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

E - mail: ouroba@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية