زرعت الغيوم فحصدت المطر!

العدد: 
15161
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 28, 2018

جزء من حلم، أو حلم لم ينته بعد!..
ذلك هو الكتاب الذي خطته أنامل الأديبة سعاد سليمان بدمع القلب لا بحبر القلم وأسمته «نورٌ ونار»..
أصدرته على شكل نبضات قلب بلون السيرة الذاتية، فكانت كمن يزرع الفضاء بالغيوم ليحصد المطر.
هكذا هطلت سعاد سليمان في أرض اتسعت حيناً وضاقت حيناً آخر..
من بيت الأهل في حمص إلى ذات البيت الذي انتقل إلى طرابلس الشام ثم عاد سيرته الأولى تمتد وتقصر عبر الجغرافيا التي اتسعت لعاصمة السحر والأناقة –دمشق- ثم على أجنحة فراشات من ياسمينها حطت الرحال والترحال في طرطوس..
وفي تلافيف الجغرافيا أحداث وقصص قصيرة وقصيرة جداً، وطويلة حيناً آخر.. ومنها تفاصيل الوجدان التي تشظت فيها الكاتبة ما بين الأم والأب والزوج، قبل أن ينتهي العشق المعقد بلون يارا الإبنة، وأحمد الإبن وكلاهما الوجد المتقابل للإنسان –الأنثى والذكر- «نور ونار» هذه السيرة الذاتية تكبر وتكبر لتكون رواية قصيرة –إذا صح التعبير- أو حكاية طويلة جاءت بحدود الستة آلاف كلمة، قطعتها الكاتبة إلى ثلاثة وأربعين مقطعاً بلغة الأرقام على امتداد سبعة وثمانين صفحة من القطع الوسط الذي اختارته ليكون بين الصغير والعادي وقلما وجدت كتاباً من هذا القطع.. ووجدتني بين دفتيه ولسان حال الكاتبة يهمس قبل البدء بالقراءة أن التميز يوضع من ذات السلة التي حملتها سعاد الطفلة، فالمراهقة، فطالبة المدرسة ثم طالبة الجامعة، قبل أن تكون الزوجة والأم والصحفية، والكاتبة.
حملت هذه السلة منذ طفولتي الأولى حيث كنت الابنة والأخت، في عائلة سورية تنقلت في الأرض كسرب من طيور السنونو!..
في «نور ونار» التميز في القص الفني حيث يذوب عدد من الأبطال في ذات البطلة «سعاد» وسعاد هذه تروي حكاياها وقصصها بأسلوب المتكلم على لسانها، ما أتاح لها فرصة الإفصاح عن مشاعرها الذاتية وتحليلها بأسلوب رشيق شفيف، وفي رسم أجواء الرواية المتكاملة بأزمنتها وأمكنتها وأبطالها.. مما سهل مهمة الكاتبة من استبطان الأعماق وكشف المكنون الأنثوي، وما يدب في تلك الأعماق من شجون وشؤون نفسية ووجدانية وفكرية، فجاء القص بوحاً صريحاً، أو حديث نفس بصوت هامس حيناً، غاضب حيناً آخر، وسعيد تارة، وقد بدت لي هذه «التارة» مجرد لحظات عابرة!..
هذا البوح ميز كل مقاطع الرواية، ورغم أنه لم يخرج عن دائرة الذات، إلا أن ما أعطاه سحره الخاص، سيطرة الحب والاعتراف به وهيمنة المحبوب على كيان البطلة «سعاد» -لكن روعة هذه السطوة- سطوة المحبوب- ابنها لم تكن لشخص بعينه، بل انتقلت السيطرة فيها بين الحبيب الزوج، وبين المحبوبة الابنة والمحبوب الإبن، ومن قبل كانت للأب والأم قبل أن تنتقل إلى الإخوة والأخوات والأصدقاء والزملاء وأولاد الحارة.. بل امتدت سطوة الحب هذه لتخرج عن إطارها الإنساني المألوف إلى الإطار المكاني غير المألوف!..
فقد عشقت سعاد الأمكنة والأشياء التي عاشت معها وتعايشت، لتصبح الأشياء شيئاً في هذا العشق وهذا الحب...
على الرغم من أنها خاطبت والدها بذات الصوت الشجي: «وكذلك أنت... أبي لوحة أبدعها الخالق وحطمتها الأيام وبقيت لوحتي الأبدية ربما لأنك لم تمت فيّ... ربما معك لا موعد للفراق.. هو موعد لقاء أبدي».
هذا المقطع... قبل الأخير من رواية سعاد سليمان خلّد في وجدانها شخص الأب «بالضوء الساطع.. بالكلمة الطيبة وسكون الروح وعظمة القلب بالحب.. بالنور والنار».
لتنتهي هنا سعاد من روايتها!
أضداد، دبرتها الكاتبة على هيئتها من الداخل معان نظيفة كروحها التي تبدو يمامة حزينة حيناً، أو فراشة حيناً آخر، لكنها أتقنت في كل الحالات المجنونة فن الحب.
والكتابة، وفي كثير من تفاصيل مشاهد روايتها كانت تضحك بدل أن تبكي، لكنها بقيت أصيلة كنخل العراق وندية كياسمين الشام تضرب أقدامها في جذور الصمود الإنساني الذي لم يهتز إذا انحنى ولم ينكسر إذا مال!.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
عبد المعين زيتون