أدباء في القلب الدكتور عبد السلام العجيلي

العدد: 
13026
كنت أعرفه ،وأنا في العاشرة ،أعرفه كما يعرفه سائر قرائه ،وحين كانت إذاعة لندن تبث مسلسليه (قلوب على الأسلاك)و(باسمة بين الدموع)زادت معرفتي به ،وأنا أرى أهل حارتنا

بني السباعي يتعلقون بهذين المسلسلين ،وكأنهما يعبران حقاً عن أحلامهم الرومانسية المفقودة أو المنتهكة 00 أذكر يوماً أنني غافلت أمي،وذهبت إلى المركز الثقافي في مبناه القديم فوق سينما (ستاركو)،ولما أخذت أبحث عن رواياته ومجاميعه القصصية في صندوق حرف(العين)الخشبي رآني صديق والدي ومدير المركز آنذاك عبد المعين الملوحي،رحمه الله ،فأجلسني وراء إحدى الطاولات في قاعة المطالعة ، وأوصى مسؤول المكتبة أن يزودني بما أريده من الكتب 0ومن يومها اعتدت ارتياد مكتبة من الصباح إلى المساء ،فقرأت أول ما قرأت روايات عبد السلام العجيلي ومجاميعه القصصية ،واليوم أعتقد أن هذه الروايات والقصص هي التي جعلتني قاصاً واقعياً ،ولكنني حين اكتشفت زكريا تامر في مجموعته (دمشق)الحرائق)سرعان ما تحولت من الواقعية إلى التعبيرية0 أحببت عبد السلام العجيلي كما أحببت زكريا تامر ،ولكن تجربة العجيلي كانت أثيرة لدي أكثر ،فكلما قرأت قاصاً وازنت بينه وبين العجيلي ،فما وجدت له قريناً في تجربته ولا مثيلاً في قامته 0كنت أتتبع أخباره وصوره في كل دورية تقع بين يدي حتى صار هاجساً من هواجسي الجميلة 0وفي صباح باكر من صباحات دمشق العابقة بالياسمين لمحت فجأة العجيلي في مقهى الحجاز ،وأنا في طريقي إلى كلية الآداب ،فوقفت دقائق بباب المقهى مذهولاً من هول المفاجأة التي انتظرتها منذ العاشرة ،كان العجيلي يقرأ جريدة ،ويتناول فنجان قهوة وحين لمحني ابتسم في وجهي ،فصعدت إليه،وصافحته،وقلت له:"أنا أحبك"،فقال لي،وهويضحك :"وأنا أحبك"ثم سحبت كفي من كفه،ونزلت سلم المقهى سريعاً من غير أن أودعه ،وكأنني في حلم حقيقي 0ووالله ،لا أعرف اليوم أن رؤيتي العجيلي في مقهي الحجاز كانت في الواقع أم كانت مجرد حلم عابر ،لكنني منذ ذلك اللقاء الأول والأخير من عام 1977 حتى وفاته -رحمه الله -في الخامس من نيسان عام 2006 لم أنقطع عن الاتصال به هاتفياً ،فإذا ما تأخرت عن الاتصال بي يوماً سارع إلى الاتصال ببيتي والسؤال عني ،بل كان يحرص على الاتصال بي بعيد وصولي صيفاً إلى حمص ،وقبيل رحيله بأسابيع اتصل بزوجتي ،وأوصاها أن أتصل به ،وحين اتصلت به فوجئت بصوته الأجش الذي تميزه من بين آلاف الأصوات الأخرى واهناً ضعيفاً :"أنا مريض ،يا محمد ،ادع لي بالشفاء"،وما كدت أغلق هاتفي حتى أحسست أن جبلاً قد انهار في مخيلتي ،فرحت أبكي العجيلي قبل أن يرحل عن دنيانا إلى الأبد0 كنت حريصاً مثله على أن أهديه كتبي ،وكان حريصاً أن يطلع على ما يكتب عنه في صحافة الخليج ،بل لم يكن ينسى عاماً أن يهنئني بقدوم رمضان والعيدين 00ويوم قررت وزارة التربية والتعليم في الإمارات تدريس حكايته (من مذكرات طبيب)أرسلت إليه نسخة من كتاب اللغة العربية المقرر في الصف السابع ،فكتب إلي معبراً عن فرحته كطفل بتدريسها وراجياً أن أشكر للدكتور هاشم الدويري أحد مؤلفي الكتاب لفتته الكريمة وعنايته بالحكاية 00ومن يومها صارت صورة رسالته إليّ وسيلة تعليمية،يتناقلها كثير من المدرسين ،ليتعرف طلابهم من خلالها إلى خط العجيلي وتوقيعه وتواضعه وفرحه الجم بقرائه منهم00 فقد كان العجيلي كبيراً في أدبه ،كبيراً في تواضعه ،كبيراً في صداقاته ،وهو المحارب والنائب والوزير ،وكان يحرص على مراسلة أصدقائه من الأدباء والمفكرين والمستشرقين في مختلف أنحاء العالم ،بل كان يجد في كل مؤتمر علمي أو ملتقى أدبي فرصة للقائهم0 وحين عزمنا أنا وصديقي أيمن الطويل على إصدار مجموعة قصصية مشتركة أواخر الثمانينات اتفقنا أن يقدم لها الدكتور عبد السلام العجيلي ،ولما وصلت إلى حلب في طريقي إلى الرقة اتصلت بعيادته وبيته ،وقلبي يخفق كطائر خرافي ،فقيل لي:"هو في باريس يحضر مؤتمراً"،ولكن صديقي الشاعر مصطفى النجار صاحب(شحارير بيضاء)اقترح علي أن أزور الكاتب وليد إخلاصي في مكتبه،وأعرض عليه تقديم مجموعتنا القصصية المشتركة 0ولما صدرت (الدائرة مطلع عام 1981 أرسلت على استحياء نسخة منها إلى الدكتور العجيلي ،وكأنني قد ارتكبت إثماً في حقه ،وما هي إلا أيام قلائل حتى كتب إلي مشيداً بجرأتي على الشكل التقليدي للقصة ،وحين أرسلت إليه مجموعتي الأخرى(أوراق عبد الجبار الفارس الخاسرة)عام 1999 كتب إليّ في رسالة مؤرخة في 21 أيلول 1999:"أجدك ترى الناس والأحداث من خلال نظارة سوداء ،وحتى حين تبتسم ساخراً تكون سخريتك مرة أكثر منها مرحة 0أعجبتني بصورة خاصة قصة (ما لم يروه يوسف بن إسماعيل من سيرة عنترة)0ربما كان لك الحق في النظر إلى الدنيا نظرة سوداوية ،ولكننا في بعض الأحيان نضطر إلى أن نرش على الموت سكرا حتى نجد للحياة قبله طعما "0والقصة نفسها تنتهك الشكل الموباساني للقصة القصيرة ،وتقدم لقطات مما رأيته سيرة أخرى لعنترة رؤيتها على شكل قصص قصيرة جداً ،لا رابط بينها إلا شخصية عنترة وخيط درامي رفيع00 رحم الله الدكتور عبد السلام العجيلي ،فقد كان علامة فارقة في أدبنا العربي الحديث ،بل كان تاريخاً أدبياً وثقافياً وسياسياً 00لم يكن شاهدا على مرحلة طويلة من تاريخ قطرنا فحسب ،وإنما كان أيضاً أحد الرجال الكبار الذين صنعوا هذه المرحلة من التاريخ محارباً في جيش الإنقاذ 1948 ،ونائباً في المجلس النيابي السوري 1947 ووزيراً منذ عام 1962 للثقافة والخارجية والإعلام 00ولكنه منذ أواخر الستينات آثر أن يتفرغ للكتابة وللعمل في عيادته في الرقة مولده عام 1918 كما أكد لي في إحدى رسائله ،ومنتهاه عام 2006، وما بين العامين نهر زاخر من العطاء ،عمره ثمان وثمانون سنةً0 وإذا كان القراء قد عرفوا العجيلي روائياً وقاصاً وباحثاً ،فأنا هنا سأشير إلى الوجه الآخر من شخصيته ،وهو وجه الشاعر الذي لم يترك سوى ديوان وحيد ،هو (الليالي والنجوم)الصادر عام 1951،وهو ينم عن اتجاه رومانسي رائد 0 ولما سأله خطيب بدلة وصقر عليشي في مجلّة(دراسات اشتراكية:6و7 من عام 1989):"ماذا فعلت بالشاعر الذي يسكنك ؟"قال:"وجدت صفة الشاعر قليلة الانطباق عليّ،ثم وجدتني حقاً أقل جدارة من أن أستمر في طريق الشعر الذي استمر فيه رفاقي حين بدأنا الإبداع في وقت واحد كنزار قباني"ومن هذا الديوان الوحيداخترت لقراء جريدة (العروبة)هذه المقاطع الثلاثة: -1- يا بدر ، يا كوناً تقلب في الجمال الأنفس نام الرعاة عن القطيع ومقلتي لم تنعس وغفت مياه النهر في حضن الرمال الأملس واستسلم السهل الفسيح إلى السكون المعرس وأنا على ظهر الفراش كزهرة في المغرس الفكر يسري كالشذا والروح رهن المحبس -2- شق القطار بركبه جوف البهيم والنجم يرقب في خفوق مستديم يا نجمة الأفق البعيد كم انطوى سفر على اثاره سرنا سوى القلب ظل وراء خلفة النوى ورنا الرجاء إلى أمام لا يريم 3- أنا في انتظارك قد ملأت بك الدنى وفرشت دربك بالزهور وبالجنى فرغت كؤوس القوم إلا كأسنا وغفا الندامى كلهم إلا أنا أنا في انتظارك أنا في انتظارك كالدجى يرجو صباحا خطر النسيم على الجداول ثم راحا والطل ذاب نثيره والعطر فاحا والفجر أنت،متى تعرى من إزارك؟ أنا في انتظارك أنا في انتظارك بين أشباح المغيب أهفو لطيف مرّ في الدرب الكئيب وأقص أحزاني لنجمات الغروب يا حلو،يا عذب المقبل،يا حبيبي أنا في انتظارك . ٭ محمد محيي الدين مينو‏

الفئة: