فنان من حمص..التشكيلي : غسان سباعي

العدد: 
15001
التاريخ: 
الثلاثاء, كانون الأول 19, 2017

 أحد أبرز أعمدة ورواد الحداثة الفنية التشكيلية السورية والعربية، من مواليد مدينة حمص عام 1939،بدأ في حمص في الخمسينات بتشجيع من الأستاذ صبحي شعيب وعبد الظاهر مراد وتعرف من خلالهما على مدارس الفن الحديث «الانطباعية وما بعدها» وكانت مواضيع لوحاته مناظر من بيئة حمص والقرى القريبة منها، و أحب رسم الوجوه، وأول معرض أقامه كان في سنة 1954 مع مجموعة من الفنانين (من ضمنهم غياث الأخرس وفيصل عجمي وأحمد دراق السباعي وممتاز جوخدار) وبعد نهاية مرحلة دراسته الثانوية، سافر إلى مصر والتحق بكلية الفنون الجميلة في الاسكندرية ومن أساتذته البارزين هناك سيف وائلي وحامد ندا وحامد عويس، ولهذا الأخير تأثيرات جوهرية على بداياته وتوجهه العام، حيث كانت له اهتمامات في الإنسان، نفس الخط الذي سارسباعي عليه فيما بعد.‏‏
‏ درس الفن في الاسكندرية وباريس، وبدأ بصياغة واقعية دقيقة، ثم ما لبث أن تحول بعد مرحلة دراسته الأكاديمية، نحو إيقاع تكويني وتلويني حديث، يميل نحو المزيد من الإحساس المتتابع بركائز التكوين الهندسي المتماسك والضاغط على الأشكال الإنسانية، بحيث تبدو وكأنها معلبة، حتى أنه أطلق على إحدى لوحاته عنوان التعليب.‏‏
اهتم منذ بداية انطلاقته الفنية في نهاية الستينات بتبسيط الأشكال الإنسانية والحيوانية والطبيعية، ضمن رؤية فنية حديثة دمجت في مراحل لاحقة ما بين الاتجاهات التعبيرية والرمزية والتكعيبية.‏‏
كان يكثف مقدرته في التعبير عن قلق حياتنا المعاصرة، حين يوصل شخوص لوحاته إلى إشارات الطرق المسدودة، فالأشكال الإنسانية «الرأس والأطراف بشكل خاص» تبدو في معظم لوحاته معلبة ضمن تكوينات هندسية متماسكة، وكانت تدخل في سياق تجاربه المتواصلة كعناصر أساسية في التشكيل والتلوين, ويعمل على بلورة نضوج الفكرة الواحدة، التي تتمحور حولها لوحاته، مستفيداً من جوهر معطيات التجربة التي تدمج بين الرمز والمناخ التعبيري، الذي يظهر فيه بشكل دائم هاجس إبراز الأشكال الإنسانية والرموز الحيوانية وعناصر الطبيعة، ضمن رؤية فنية مميزة وخاصة يعرف من خلالها كيف يستفيد من الاطلاع على تجارب الفنون العالمية الحديثة عبر مقدرته في تجسيد العناصر والرموز ومعالجة التكاوين الهندسية وإبراز طبقات اللون واللمسات العفوية المتحررة والملامس الناعمة والخشنة لسطوح الألوان,ولوحاته لا تعكس فقط أحزان وأهوال حياتنا المعاصرة، وإنما أيضاً علاقة العين بالمساحة وبالتكوين العام للوحة .
وبرأيه أن انتقاله من حمص إلى الإسكندرية وضعه ضمن مجتمع فيه تفاعلات اجتماعية كبيرة، كما جعله يعايش فنانين متمرسين، وكان لديه مفاهيم مغلوطة صححت وتطورت حول مضمون الفن، حيث بدأ مرحلة التصدي للقضايا الاجتماعية والسياسية، ونقل تلك المضامين إلى لغة تشكيلية بعيد عن الدلالات الأدبية.‏‏
تخرج عام 1964 وحاز على المركز الأول بين المتخرجين، وعاد إلى سورية وأنجز مجموعة لوحات خاصة به، ولوحات جدارية لمؤسسات عامة، وبعد ذلك حصل على إيفاد من كلية الفنون الجميلة إلى باريس لمتابعة الدراسة في البوزار، وكانت تجربة باريس مميزة، حيث استفاد من المعارض التي كان يشاهدها هناك إلى حد بعيد، ولأول مرة شاهد لوحات أصلية لكبار فناني الغرب «القدامى والمحدثين» وحصل تغيير عزز لغته التشكيلية، رغم اتجاهه نحو التعبير المباشر عن الأحداث الجسيمة التي كانت تشهدها الساحة العربية، وأصبحت لوحاته أكثر بعداً عن اللغة التقريرية المباشرة، وبدت تجربته متفاوتة الاتجاهات، حيث ظهر فيها نوع من القلق أمام التيارات المبهرة لتأكيد الخصوصية وبرز تساؤل عن ماهية الفن، بمعنى أنه كان يبحث عن فن ملتزم بعيد عن التوجه السياسي، فالفن الذي كان يبحث عنه يمثل الديمومة البعيدة عن التقريرية المباشرة، وشيئاً فشيئاً بدأ يشعر بنوع من الاستقرار الداخلي عبر مجموعة الاختبارات والتجارب التي مر بها.‏‏
وعن إشكالية الالتباس القائم حالياً بين عناصر التراث العربي ومعطيات الفنون الأوروبية المعاصرة كان يقول: إذا نظرنا إلى الفن التكعيبي على سبيل المثال يمكن أن نقول إنه لم يبدأ مع براك وبيكاسو وليجيه، إنني أجد جذوراً له في الفن السوري القديم والفن المصري الفرعوني، كما نجد فراغ العمل الفني في أعمال الفنان العربي القديم يقترب من سطح اللوحة (أي إلغاء البعد الثالث بالمعنى الأوروبي الحديث) وهذا الكلام يعني أن الفنان الشرقي القديم سبق فناني الغرب بقرون، في تكريس أغلب المفاهيم الفنية الحديثة التي يروج لها الإعلام الغربي ويعتبرها من اكتشافات فنانيه المعاصرين.‏‏
وبالنسبة لي عندما أبدأ في لوحة، لا أضع أية تصورات مسبقة ولو شاهدت على سبيل المثال وجهاً مصرياً قديماً، أرى فيه الرؤية الميتافيزيقية الحديثة، كما أنني أرى في اللوحة المستقبلية الحديثة تأثراً واضحاً بأعمال الفنان العربي يحيى الواسطي. هكذا نجد أن الشرق كان سباقاً في اكتشاف الكثير من المفاهيم الجمالية المعروفة في الغرب حالياً، وإلا ماذا نقول عن الزخرفة العربية التجريدية التي أعطت الفنان الغربي الحديث شرعية اكتشاف التجريد الهندسي والتركيز على إبراز اللون الموحد ضمن المساحة الواحدة.‏‏
وأضاف: الغرب حرضني على اكتشاف ذاتي، ضمن أسلوب فني خاص، وجعلني أنظر إلى تراثي نظرة متطورة وحديثة لا نظرة متحفية أو محنطة، ومن الضروري أن نشير الى دوره الطليعي والريادي في الرسم الموجه للآطفال، وخاصة في مجلة أسامة، الى جانب دوره التعليمي كأستاذ في كلية الفنون الجميلة في دمشق.‏‏

الفئة: 
المصدر: 
العروبة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة