تحية الصباح..حنا مينه ... شكراً

العدد: 
15161
التاريخ: 
الأربعاء, آب 29, 2018

سئل الأديب حنا مينه: لو مات حنا مينه ...ماذا سيقول لأصدقائه ،لقرائه، لمجتمعه قبيل وفاته ؟ فأجاب : أقول لهم شكراً.
أعدت قراءة هذا الحوار المنشور في البعث الثقافي في الحادي و العشرين من آب عام ثلاثة و ثمانين و تسعمائة و ألف أعدت قراءة كتابه هواجس في التجربة الروائية الصادر عام اثنين و ثمانين تذكرت رواياته التي قرأتها : المصابيح الزرق ،الشراع و العاصفة ،نهاية رجل شجاع ،بقايا صور ، حكاية بحار ، الدقل ،المرفأ البعيد ،المرصد ، ربيع و خريف ،المستنقع،... فعلت ذلك كله ليلة رحيل الأديب حنا مينه جسداً عن هذه الدنيا الفانية و لم أستطع إلا أن أكرر عبارته : شكراً
شكراً حنا مينه لأنك ولدت في حي من أحياء اللاذقية فكنت عربياً سورياً شكراً لأنك كنت تتحمل عدم رؤية  أمك قبل خروجها الباكر إلى العمل في خدمة الناس و تحملت عجزها عن شراء جزمة مطاط لك في الشتاء كرفاقك الصبيان لأن ما تملكه كان خمسة ً و ستين قرشاً و ثمن الجزمة ليرة و نصف
شكراً حنا مينه لأنك عملت في مهن مختلفة من تصليح الدراجات إلى الحلاقة إلى الخياطة إلى رعاية الأطفال .. عانيت البطالة و الغربة و الفقر و الجوع و حسدت الكلب لأن له مأوى نمت تحت الجسور و طوفت في الشوارع حتى الصباح عملت أجيراً في ورشة بدائية لصنع المسامير و هاجرت عبر أوروبا إلى الصين و عملت في التعليم و الترجمة و افترقت عن زوجتك و أولادك و انتظرت رسائل الوطن كالغريق الذي يتمنى نسمة هواء .. و تبكي إذا سمعت فيروز و تردد بيتاً للشاعر الياس أبو شبكة
يا وطناً بالحب نكسو أديمه   فيحرمنا حتى رضاه و يمنع
و لذلك كان من حقك أن تجيب كما أجاب الأديب مكسيم غوركي عندما سئل: ماذا قرأت من علم الاجتماع ؟ إن علم الاجتماع محفور على ظهري شكراً حنا مينه لأنك قلت لنا منذ روايتك الأولى – المصابيح الزرق لا تدعوا اليأس يتسلل إلى نفوسكم إن اللون الأزرق في الحروب الذي يوحي بالكآبة و الشحوب سيغسل في نهاية الحرب و يتجلى فيتجدد ضياء المصابيح و إذا كان – فارس – بطل الرواية قد ترك حبيبته –– رندة – ووطنه – سورية و ذهب ليقاتل الايطاليين في ليبيا فإن أبطالاً كثيرين رفعوا راية الكفاح بعده .
شكراً حنا مينه لأنك أنسنت الطبيعة و جعلتها نظيراً للإنسان فلم نجد فاصلاً يفصل البحر عن الطروسي في رواية – الشراع و العاصفة و عرفنا أن الشخصية الروائية واقعية بالمعنى الفني لا بالمعنى التاريخي ألم يزرك في اللاذقية أكثر من خمسة عشر رجلاً ليشكرك على كتابة قصة جده في رواية الشراع و العاصفة – ألم يجد كل منهم في الطروسي –جده ؟
شكراً حنا مينه لأنك رصدت في روايتك – المرصد – بطولات جيشنا العربي السوري في حرب تشرين و خصوصاً الإنزال الجوي على مرصد جبل الشيخ و تحريره الذي كان تاج عز و فخار زين رؤوس أبطال جيشنا  و شكراً لأنك شاركت الأديبة الرائعة الدكتورة نجاح العطار في كتابة
أدب الحرب - فكان كتاباً رائعاً في ميدانه شكراً حنا مينه على كل شيء و إذا كنت قد قبلت يدي أمك الباردتين و لم تكن تقبل عظماً و لحماً ميتين بل جهد بذل و دمع سكب تضحية كانت ، و رأيت أن الجهد و الروح و التضحية حين تخرج من الخاص إلى العام تصبح أدعى إلى التكرمة فإننا نقبل يديك الممددتين إلى جانبك لأنهما عملتا ما كنت تدعو لأجله و نكرمهما لأنهما تستحقان التكريم و أختم بما قاله الراحل الدكتور سهيل إدريس في تقديم روايتك – حكاية بحار
إلى متى تظل جائزة نوبل للآداب محجوبة عن مبدعينا لأسباب سياسية.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
د. غسان لافي طعمة